1
كلّما استيقظ الماء
دبّت الحياة
في القدح
2
أحيانا افكّر لو انني كنت سأموت هذا اليوم
وهذه الساعة تحديدا
ودون أن أجد من يجعلني أرحل مبتسما، ولو لمرّة واحدة
كيف ستكون ملامحي حينها ؟
ربما ستكون محايدة تماما
كرجلٍ عاد للتوّ بعد أن جاب الأنهار المالحة لأيامٍ
في غواصةٍ عاطلة
3
الرجل على الطاولةِ المقابلة
يفكّر بالصيف
يفكّر في المكان الذي لا يجب أن يذهب إليه
يفكّر في طيورٍ قزحيّةٍ غادرتْهُ على حين غرّة
يفكّر في طريقة لاتجلب انتباه أحد
للتخلّص ِمنّي.
4
تبدو الشجرة من خارج النافذة
وكأنها ترشد العصافير
إلى كمائن لا تُرى.
5
المرأة التي تشاركني المقعد
مازالت تعكف بأصابع مدرّبة
على إفراغِ محتويات حقيبتها الملوّنة
وكأنها تنتزع أحشاءَ طاووس.
6
كل شيء في الجدار مازال يواصل حياته
إنّه يتنفّس
هناك رئة هائلة غير مرئية تدفع الهواء إليه
الشقوق الدقيقة التي تبدو لفرط قدمها وكأنها جروح مندملة
مازالت تتنفّس هي الأخرى
نظراتنا التي تعاقبت عليه لأجيال
تكمن عميقا فيه
وربما تتطلّع إلينا من حياتها الجديدة بين القرميد
رائحة أجسادنا وحيل البنائين القدامى
كلها تواصل عبورها إلينا.
7
تمامًا،
كما لو أن رجلا يتطلّع إلى بدنه وهو يخرج في نزهة من دونه
نزهة تنفرط فيها الحواس
ينفرط فيها ماء غيابكِ أيضًا
تنفرط فيها الطاولة حتى يعبر الكرسي إلى وحدته
نزهة في المرتفعات
على ظهر حصان ضرير
8
الذين خرجوا إلى الشارع
يطلقون النار على المارة بعشوائية من بنادقهم القديمة،
من سينقذهم
من ينقذ النار التي احتاجت إلى ثلاثة أيام لتتمكن أخيرًا من الظهور في حديقة المعهد الجغرافيّ
من ينقذ البحر من الغرق في ماء نفسه
من ينقذه من أسماكه وتنانينه
من ينقذ الحرب
من ينقذ السلالم من الصعود
ومن الهبوط أيضا
من ينقذ الجرح من الخيط الذي يردمه بلا رحمة
من ينقذ الألف من وقوفه الشاق وقامته المنتصبة
من ينقذ الطريدة من الرمية الطائشة
من ينقذ الوردة من يد حبيبتي
من ينقذ الغابة من أشجارها ووعولها
من ينقذ السائح من خريطته وحقيبة ظهره وبنطاله القصير
من ينقذ الضال من بوصلته وإسطرلاباته الغامضة
من يرشد المفتاح حتى لا يفقأ عين القفل ثانية
من ينقذ القفل
من ينقذ الماء من عطشنا
من ينقذ الصحراء من الواحات التي تفترسها ببطء
من ينقذ الساعة من موهبتنا الفريدة في النظر إليها بغضب
من ينقذ الهواء من رئاتنا
من ينقذ المكان من جهاته
من ينقذ الثمرة من شجرتها
من ينقذ النسيان من ذاكرتنا
من ينقذ النظارة من قصر النظر
ومن طوله أيضا
من ينقذ الخريف من الأشجار دائمة الخضرة
من ينقذ حبيبتي من شغفي بها
من ينقذ الفخاخ من الفرائس التي تسعى إليها بلا هوادة
من ينقذ المحكوم بالإعدام من حاجته إلى النجاة
من ينقذ المائدة من جوعنا
من ينقذ الغزاة من الحصون المنيعة
من ينقذ الحبل من عنق الضحية
من ينقذ المنجنيق من حروبه
من ينقذني مني
من ينقذ الحطاب من الشجرة
ن ينقذ المرآة من الوجوه التي تتعاقب عليها طوال اليوم بلا رأفة
من ينقذ البحر من عاداتنا السيئة في الغرق بمهارة فائقة
من ينقذ المسدّس من ميولي التي لا يمكن تفسيرها بالانتحار...
9
بعد الثانية عشرة يتجوّل المارة بدون ربطات عنق، يفكّرون بأشياء لا تبدو سيئة جدًا، ولكنها فقط تشبه النظر إلى قفّاز أبيض من طائرة على ارتفاع 33 ألف قدم.
كذلك قراءة (ماياكوفسكي) بربطة عنق، سيجعل القصيدة تبدو كما لو أنها تخلّصت من حياتها بعد مرات لا تُحصى من محاولات الانتحار الفاشلة
امرأة تتحدّث عن الأشجار المثمرة بفم أدرد
عجوز على بعد ثلاث طاولات تفكّر برجل يردّد: المدينة من الأعلى كما هي السماء من الأسفل تحدثان خارجنا
زوجها يحدث خارجه أيضًا
رجل يتحدّث عن تنينات ظهرت في مقبرة معروف الكرخي ببغداد عام 1923، أحدها كان يتحدّث عن المخلّص بلسان سريانيّ أو روميّ ، ولم يمُتْ من فوره.
10
السائح يسحب حقيبته كما لو كانت عربة آشورية
المرأة تركض وهي تنفث زفيرًا غليظًا
شعرها الذي عقصته إلى الخلف
يسحبها بقوة إلى الأرض
قسّ من سردينيا ، قلنسوته الخفيضة ورداؤه الكهنوتي الأزرق يجعلانه يبدو كمن هبط لتوّه من الجبل، في يده زنبقة
بينما الدير مازال خلفه
يحترق
11
لنأمل أنها الساعة 11:2
لنأمل أن الأقوال الصالحة الكثيرة التي قرأناها
لم تكن من أجلنا
لنأمل أن رامبو لم يمت في السابعة والثلاثين بالرغم من أنها السنّ التي تليق بموت الشعراء كما يؤكد صديقي سعد سرحان
لنأمل أنني سأقنعه بضرورة أن يبتسم من أجل أولئك الذين لم يفقدوا رؤوسهم مع قبعاتهم بعد
لنأمل أنك تبتسمين الآن، لأن بعد غد سيكون الأربعاء أيضا (وهي مصادفة تتكرر في الغالب)
لنأمل أن صديقي علي حسين الذي واجه فصيل الإعدام صيف عام 1986 قرب بحيرة الرزازة كان يفكّر في أن السعادة ليست سوى الموت من رصاصة رحمة واحدة.
12
أحيانا افكّر: ماذا لو أنّ بروتوس لم يلتق قيصر في ذلك اليوم..
كان سيغمد سيفه في أحشاء الهواء
ماذا لو أن قيصر راوغه قليلا، أو ابتسم في وجهه، أو خرج من المحنة بجرح سطحيّ..
ماذا لو انّه لم يكن قيصر حقّا
وماذا لو لم يكن بروتوس أيضا
ماذا لو أن الحكاية حدثت لرجلين مختلفين أحدهما كان يُدعى يوليوس والآخر بروتوس، وإنهما اختلفا من أجل امرأة لم تكن تفعل طوال أيام على وصولها سوى كتابة رواية عن رجل مات مقتولا على يد حارسه الشخصيّ
ولكن أيضا ماذا لو كان بروتوس أحدنا..
أنا مثلا،
وبغتة أجدني في مواجهة قيصر
سيتطلّع إلى السيف في يدي وهو يردّد:
ـ لتفعلها من مرة واحدة يا يابروتوس
سيكتشف انني لم أكن حملتُ سيفا من قبل، وربما سيسلّه من يدي ببطء ويواجهني به.
عندها سيتعيّن عليه أن يسمعني أردّد: لا تفعلها من مرّة واحدة يا قيصر.
ولكنه سيقتلني من طعنة واحدة، وقبل أن ألفظ انفاسي الأخيرة، سيسمعني أقول ببطءٍ يليق برجل يتفرّس في أحشائه بيأس، وستسمعني أيضا المرأة التي مازالت في الغرفة بانتظار موت أحدنا :
ـ حتى أنت ياقيصر؟
13
كم أبدو شبيها بطاغور
حدّقت في المرآة مرّة بعد مرّة
ودائما كنت أشعر أن الأمر لم يعد محض مصادفة
كم كنت أشبهه
لولا إنه بلحيةٍ بيضاءَ كبيرة
وشعر يتهدّل على كتفيه
وعينين لامعتين تتعقّبان فرائس لايمكنها أن تبدو مرئية قبل يوم 14 أبريل
ونمر على شماله
وشفتين رقيقتين تصلحان لتقبيل الفراغ
ووجه يبدو بعد ثمانين سنة كما لو انه شبكة دارسة من قنوات الريّ
وجيتنجالي في يده
وهو طاغور
وأنا صلاح حيثاني.
14
إنها الجمعة
لاتفعل الجمعة في الغالب سوى تذكيرنا بمرور يوم على الخميس
قبل يومين وبمثل هذا الوقت كانت تحدّثني عمّا يمكن أن يحدث في 9 فبراير
..عن رجل فقد خاتمه في الحمْلة
وعن جنود تخلّفوا عن حملة آشوربانيبال ومازالوا منذ 2500 سنة في جبال كردمند يفكّرون بما يمكن أن يفعله إذا ظفر بهم.
15
رجل سبعينيّ يرتدي معطفا جلديا، صعد الباص واندفع باستقامة نحو المقاعد الخلفية المرتفعة
سيكون في وسعه أن يرى من مكانه:
رجلا يرفع نظارته فوق حاجبيه وهو يعكف على رواية بوليسية مات مؤلفها في حادث غامض بإقليم (برابانت) قبل صيفين
رجلا آخر يتلفّت كثيرا، شعره فاحم، صوته ابيض
طفلة لاتينية تتحدّث بحماسة عن حيوانات بحجم مدينة صغيرة تظهر في أحلامها
فتاتين صعدتا لتوّهما تعضّان على لوحين من الشيكولاتة الداكنة، إحداهما مالت بجذعها مع استدارة باص 39 واصطدمت بكتف رجل يرتدي معطفا جلديا أزرق ينكبّ على دفتره ويكتب من يمين الدفترعن رجل سبعينيّ يرتدي معطفا جلديّا ، صعد الباص واندفع باستقامة نحو المقاعد الخلفية المرتفعة
وسيكون في وسعه أن يرى من مكانه رجلا يرفع نظارته فوق حاجبيه وهو يعكف على رواية بوليسية مات مؤلفها في حادث غامض بإقليم (برابانت) قبل صيفين
رجلا آخر شعره فاحم، صوته ابيض
امرأة في الخمسين تنقر بعصبية على حافة مقعدها
طفلة لاتينية تتحدّث بحماسة عن حيوانات بحجم مدينة صغيرة تظهر في أحلامها
فتاتين صعدتا لتوّهما تعضّان على لوحين من الشيكولا الداكنة، إحداهما مالت بجذعها مع استدارة باص 39 واصطدمت بكتف رجل يرتدي معطفا جلديا أزرق ينكبّ على دفتره
صوته لم يكن أبيض
16
منذ أربعة أيام وأنا في فوربورج
ومنذ ثلاثة أيام وأنا أتجوّل من غرفة إلى أخرى متوهّجا
الحمّى مرّة أخرى وأخرى
.. النظر إلى الأشياء ، وأحيانا التنزّه عبرها كما لو انني تمكنت من تعطيل جسمانيتي
.. تقشير المرآة التي تواجه سريري عمل تمنحه الحمّى قداسة غامضة.
منذ ثلاثة أيّام وأنا أفكّر بما يمكن أن تفعله المرآة بالحيوات الكثيرة التي فاضت عليها
وقبل الساعة الحادية عشرة بدقائق كنت أنتظر أن تفقد المرآة ذاكرتها وتتدفّق كل تلك الوجوه التي تعاقبت عليها لسنوات
وبما أنني اقتنيت المرآة من رجل هندوسيّ أكّد انها تعود إلى مهراجا عاش في القرن السابع عشر، فستزخر غرفتي بأجيال من الهندوس، وربما بفيلة ونمور من جنس تلك التي تحدّث عنها بورخيس في كتابه (الكائنات الخيالية)
قبل الفجر غادرتني الحمّى، لتنحسر كل الحيوات التي تدفقت من المرآة
على سريري الذي يواجه مرآة الهندوسيّ
تخلّف نمر آسيوي بقوائم طويلة
نمر يبتسم بوجه جارتي السيدة (داوس) ويحييها بلاتينية غير مفهومة..
نمر لن يطلق النار على نفسه مرّتين.
17
سيبدو كلّ شيء منطقيا من مكانكَ هذا
فقط تفرّسْ باستقامةٍ وفكّرْ بما يمكن أن تفعله بيديك
أخبرْتَني ذات مرة أن اليد ليست سوى منجنيق حيّ
اليد التي تدّخر الإشارة حتى لا تتورّط بأكثر من جهة
أريدكَ أن تتخلّصَ منها الآن
اليد التي ستقودك في آخر الأمر إلى أن تتحدّث عن جدوى العثور على أحياء في مدينة منكوبة لن يعرف بأمرها أحد قبل مرور سنوات.
18
فكّرت بضرورة أن لا أتحدّث عن ملائكة ببنادق قديمة شبيهة بتلك التي احتفظ بها أرنست همنغواي من أجل يوم 2 يوليو 1961
كنت أفكّر فيما يمكن أن يفعله الآخرون بعزلاتنا
لا أحد يعرف كم سوف يكون الأمر شبيها برجل يدعو قطيعا من الأيائل لتواصل نزهتها في أحشائه.
في النهاية لم يجد همنغواي صديقا أقرب إليه من بندقيته
19
كنت انتهيتُ للتوّ من تضليل رجل آسيويّ أقسم انه رآني في أحلامه أمارس حلولا عنيدا في بدن بوذا، عندما قال صديقي وهو يقلّد نبرة الآسيوي وإيماءاته الواسعة:
ــ مساؤك أيائل من عقيق حيّ
20
أيها العابر
هل تعلّق الوعول على الأشجار بانتظار أنْ تحتفل بقتلي ؟
21
الصالة تدّخر كائنات تبزغ من جدرانها القرميدية
تبزغ من الساعة ببندولها العاطل
من الكرسيّ الوثير الذي أُعدّ من أجل رجل لن يأتي
من قدح القهوة بيد صديقي (سلام جعاز)
من كتاب بندول فوكو الذي يظهر نصفه من حقيبة امرأة في عقدها السابع
من الشجرة القزحية التي تعثّر بها نصف المدعوّين
من المرأة الحليبية التي واصلت جلوسها قرب باب الطواريء وكأنها تستعدّ للكارثة.








05 نوفمبر, 2009 03:00 م