مدونة المهندس أسامة انديوي

همس في أذن وصراخ في الأخرى

" الملامح الصيفية من مسالك الغبار إلى بيت المطر " (علي حسين الفلكاوي)

يحمل رأسه مظلة صيفية ، بينما حرائق الأمس تسحب حقائبها، وتدرج خلف الطائرة .. ، سماء أو طفلة اقتربت من يديه ، فطار السحاب عن ثوبه فإذا هو غيمة والزمن لحظة غبار .

لم يكن يحلم أن خطوتين سوف تقطعان قارة ، ولمسة واحدة تدخله في شارع الدنيا ، المسافرون يحلمون في شرفة المقهى ، حيث محيط الشمس ، والهذيان المالح ، بقوارب الحرية تعبر ضفة العمامة إلى شاطيء الرغبة ..كانا – هو وبقية روحه – سائحين يشربان دم الدخان، وينفثان بدقة ملامح المارة .. الصباح صباح الأطفال ، والنادل أرهقته أوجاع الساهرين ..والمسافرون في القهوة والصباح ..ممزقون في مرافيء البن ، مقيدون في أنين السفن الخشبية .
في الغرفة المجاورة غدا سوف تقطع تذاكر الرحلة ..وجوه الأقنعة السحرية .. غيبوبة الألم المؤقت .. جهلنا حين نعجز عن قراءة ملامح القادمين الجدد .. جدران شفافة للجيران المتجددين في غرف الفندق .. ونشوات مشتركة في الليل التالي .. من سوف يضع ذكرياته باطمئنان بجانب حوض السباحة ويغطس في اللحظة .
للشفاة الملونة ساحتها الخلفية .. سلة خفية .. تبتلع ما تذرفه عجلات الملاهي العملاقة في انحدارها ... الإنسان الفندقي وحده يرفض السلال الخفية وسياسة الزورق والربان ..يود أن يكون الربان والزورق معا .. السياحة نبض ملكي لقدمين سارحتين .
لديه حلم ، العالم في جيبه وخطوته مطار ، يبني ظله ويتوه ، التيه جزء مرضي في النسيج البشري لا نبرأ منه إلا به ، لكنهم كثيرون هؤلاء الأصحاء ، المتشعبون كمصاطب جسدية وبيدهم أرصدة خفقاتنا ، لا نريد خفقاتنا نريد أن نعيش في جيوبنا فقط .
في " الروف " أبطال وضحايا لمعارك وهمية ، يشربون من دم لم ينزف ، قصاصون ورواة ذاتيون لصور شعبية ، أناملهم توميء بإيحاءات عصبية ، أعينهم تقص بعبارات مموهة ، كل منهم يشعر – دون أن يكون ذلك مهما – أن الآخر يكذب قليلا ، في الثالثة صباحا وفي انحناءة "الروف" الزجاجية
تشرق الدماء الكاذبة ..من منا لم يحاول أن يكون الضحية في اللحظة التي لم يستطع أن يكون بطلا وهميا .
في حديقة الفندق الليلية حيث تعلق الملابس الداخلية للنباتات الآسيوية ، وحيث معنى حقيقي متعدد ومقنع يمتد من البهو إلى خلوة الغرف المجنحة ، لا حاجة لعصا ذكية وشعب أبله ، لا حاجة لشعراء مقنّعين أو صوفيين واقعيين ، يكفي أن تضع قدميك في الكرسي المقابل ،متسربا من تاريخ النظام الوراثي ، السعادة أن تجيب باطمئنان : المتعة نتيجة بليون دولار أو امتلاكك كرسيا إضافيا لقدميك ... متساوية .
في كل صباح يقف البستاني تحت تلك الشجرة ، ويجتمع الندلاء والنادلات حول أسرار النزلاء قرب ذات الشجرة ، تبدأ رحلة تنظيف الحكايات والقصص ونسجها من جديد ، يقول أحدهم : أن البستاني وجد رأسا لأحد النزلاء نسيه على الطاولة وقبلة حارة بجانبه فأخذ الرأس ولفه في كيس القمامة أما القبلة فخبأها في جيب القميص الأيسر ...في الحقيقة هو رجل غريب الأطوار ، مثل البقية يحمل جينة تميزه ...إذن ليس هو وحده رجل غريب الأطوار .
القادمون والمغادرون الذين اختاروا ساعة اختفائهم ،تتمسح رغباتهم في ركن الاستقبال، وعلى بعد غابات سماوية، تحت الشرفات المتساوية، تحط الرغبة، وتطير ردهات الروح ، يرحل القادمون مع شنط ذكرياتهم ويرحل الراحلون ، ترقص الغرف متتالية ، نافذة تلو نافذة تهز ضوءها ، وتشف ستائرها عن هواء الأجساد ، ضوء وحيد يحاول أن يثمر في آخر الحديقة .. ينطفيء .
طائرون للتو، عشاق جدد، ومحترفو متعة ، في كل طابق وضحكة يتكون ما يشبه كوكبا جديدا .

 



أضف تعليقا